السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
111
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
وهل أباكر بحر النّيل منشرحا * وأشرب الحلو من أكواب ملّاح بحر تلاطمت علينا أمواجه حين متنا من الخوف ، وحملنا على نعش الغراب ، وقامت واوات دوائره مقامع فنصبتنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب ، وقارن العبد فيها سوداء استرقّت موالينا وهي جارية فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ « 1 » ، هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ « 2 » . واقعها الحرب فحملت بنا ، ودخلها الماء فجاءها المخاض ، وانشق قلبها لفقد رجالها ، فجرى ما جرى على ذلك القلب وفاض . وتوشّحت بالسواد في هذا المأتم ، وسارت على البحر وهي مثل ، وكم سمع للمغاربة على ذلك التوشيح زجل . برج مائي ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت ، وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسنّدة عدّ من المقبرين في تابوت . تأتي بالطباق ولكن بالقلوب ، لأن صغيرها كبير ، وبياضها سواد ، وتمشي على الماء ، وتطير مع الهواء ، وصلاحها عين الفساد . إن نقّر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود ، وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود . تتشامم وهي - كما قيل - أنف في السماء وأست في الماء ، وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها « 3 » عند الميل وهي الصعدة الصمّاء ، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين ، وتتصابى إذا هبّت الصّبا وهي ابنة مائة وثمانين ، وتوقف أحوال القوم وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ « 4 » وتدعي براءة الذمّة وكم استغرقت لهم من أموال . هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج ، وكم وجلت القلوب لمّا صار لأهداب مجاذيفها في مقلة البحر اختلاج ، وكم أسبلت على وجنة طرّة قلعها فبالغ الريح في تشويشها ، وكم مرّ على قريتها العامرة فتركها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها « 5 » . تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعدّ ، ولقد رأيناها
--> ( 1 ) سورة طه / 78 . ( 2 ) أصل الآية ( هل أتاك حديث الغاشية ) سورة الغاشية / 1 . ( 3 ) الصاري : عمود يركز قائما في وسط السفينة يعلّق به الشراع ، جمعه صوار . ( 4 ) سورة هود / 42 . ( 5 ) سورة البقرة / 259 وسورة الكهف / 42 .